محمد بن عمر التونسي

22

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

هذا ، وتلطّف حتى اجتمع بأصحاب صاحب الطابع ، وأخبرهم أنه متوسّل بهم إليه ، أن يتوسّلوا له في العفو ، وبذل لهم ما أرضاهم ، ( 23 ) وسلّمهم الهدية . فأخذوها وذهبوا إلى صاحبهم ، وأخبروه أن الجلّولى جاء معتذرا يطلب عفو سعادته ؛ وأطلعوه على الهديّة ، وزينوا له أمر الصلح ، والعفو عنه ، وترك الانتقام منه إلا إن عاد لمثلها . فشرهت نفسه [ على ] الهديّة ، وقبلها وعفا عنه ، وأمرهم بإحضاره ، وأن يبالغوا في وصيّته على سلوك طريق الأدب ، وأن يترك ما كان عليه من التكبّر ، ولا يرى لنفسه على غيره فضلا ؛ بل يقف على قدم العبوديّة ، لأنه هو وأحد القواد عندنا على حدّ سواء ، وإن عاد إلى مثلها لا يلومنّ إلا نفسه . فامتثلوا أمره وأحضروه ، وبالغوا « 1 » في وصيّته ، ثم أدخلوه على صاحب الطابع . فلمّا رآه بشّ في وجهه ، وأمره بالجلوس ، وأجلّ مجلسه ، واعتنى به ، ولم يفاوضه في شئ مما كان . ثم إن صاحب الطابع كتب إلى مخدومه الباشا ، وأعلمه بما وقع من الجلّولى ومنه ، وأن الجلّولى استرضاه بهدية ، وأنه رضى عنه ، وأرسل الهدية صحبة الكتاب . فلما وصله الكتاب قرأه ، وأحضر الهدية ونظرها ، ثم ردّها إليه ، وكتب له ما صورته : قد بلغنا كتابك ، وفهمنا ما انطوى عليه ، ووقعت منا الهديّة أحسن موقع ، لكننا [ لمّا ] رأينا كلّ ما فيها يصلح لك لا لنا ، فقد رددناها عليك ، وسامحناك فيها ، لأنك شاب وتحبّ الزينة ، ونحن بمعزل ( 24 ) عن ذلك . وأما العشرة آلاف [ محبوب ] فاصرفها في مصالح العسكر . وقد رضينا عن الجلّولى لرضاك عنه والسلام .

--> ( 1 ) في الأصل : بالغوه .